أبو حاتم الرازي

مقدمة 6

أعلام النبوة

أما أبو حاتم - رحمه اللّه - فقد وضع حقيقة الأديان الواحدة امام أهل الأديان جميعا ، وبين الخلاف بين فروع الشرائع وأسبابه ، والترابط والاتحاد بين أصولها وضروراته ، بما لا يدع مجالا لمتخلف أن يتخلف الا أن يكون مرضه القلبي مزمنا وعلته العقلية مستعصية أو يكون جاهلا بكتابه الّذي يعتقد به . وإذا كان قد قيل إن السبب الدافع لمن ذهبوا مذهب ابن زكريا في انكار النبوة وتمجيد العقل أو من ذهب هو مذهبهم كمانى قبلا وكاخوان الصفا بعدا مثلا كان محاولة القضاء التفاوت والخلافات بين المجتمع وإزالة التباين بين طوائفه ومجاميعه بالقضاء على أسبابها ، تلك الأسباب التي اعتبروا تعدد الأديان أهمها ، فان أبا حاتم بما أوجده من الألفة والوحدة التامة بين الأديان ، أقرب إلى تحقيق هذه الأمنية منهم وأصح . فتوحيد الناس لا يكون بإلغاء الدين وانكار النبوة وترك الناس لأنفسهم ، بل باقرار الدين على حقيقته وانصباغ الناس بالصبغة الواحدة . فما أبعد الفرق بين التوحيد في الاطلاق والتوحيد في الالتزام . وانه لشيء يذكرني بقصة الرجلين جلسا إلى جوار بعض في حديقة : فتثاءب أحدهما وتمطّى ، فوكزت يده انف صاحبه ، فصاح : أنفى ! ! فجاوبه الآخر : ان يدي لم تخرج عن حدود حريتها ، ان لها الحق ان تتحرك في الفضاء ما شاءت ! ! فأجابه صاحبه : حقا قلت ، وأعترف بحرية يدك . ولكن انفى هي الأخرى تطالب بحريتها وحدود حرية يدك تقف عنه حدود حرية انفى ! ! وهنا يظهر أبو حاتم في هذا الكتاب